القرطبي

361

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

توحيدي ؟ " قالوا " أي فيقولون : " لا علم لنا " واختلف أهل التأويل في المعنى المراد بقولهم : " لا علم لنا " فقيل : معناه لا علم لنا بباطن ما أجاب به أممنا ، لان ذلك هو الذي يقع عليه الجزاء ، وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : المعنى لا علم لنا إلا ما علمتنا ، فحذف ، عن ابن عباس ومجاهد بخلاف . وقال ابن عباس أيضا : معناه لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا . وقيل : إنهم يذهلون ( 1 ) من هول ذلك ويفزعون من ( 2 ) الجواب ، ثم يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم فيقولون : " لا علم لنا " قاله الحسن ومجاهد والسدي . قال النحاس : وهذا لا يصح ، لان الرسل صلوات الله عليهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . قلت : هذا في أكثر مواطن القيامة ، ففي الخبر [ إن جهنم إذا جئ بها زفرت زفرة فلا يبقى نبي ولا صديق إلا جثا لركبتيه ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ خوفني جبريل يوم القيامة حتى أبكاني فقلت يا جبريل ألم يغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر ؟ فقال لي يا محمد لتشهدن من هول ذلك اليوم ما ينسيك المغفرة ] . قلت : فإن كان السؤال عند زفرة جهنم - كما قاله بعضهم - فقول مجاهد والحسن صحيح ، والله أعلم . قال النحاس : والصحيح في هذا أن المعنى : ماذا أجبتم في السر والعلانية ليكون هذا توبيخا للكفار ، فيقولون : لا علم لنا ، فيكون هذا تكذيبا لمن اتخذ المسيح إلها . وقال ابن جريج : معنى قوله : " ماذا أجبتم " ماذا عملوا بعدكم ؟ قالوا : " لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب " . قال أبو عبيد : ويشبه هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ يرد علي أقوام الحوض فيختلجون ( 3 ) فأقول أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ] . وكسر الغين [ من الغيوب ] ( 4 ) حمزة [ والكسائي ] ( 5 ) وأبو بكر ، وضم الباقون . قال الماوردي فإن قيل : فلم سألهم عما هو أعلم به منهم ؟ فعنه جوابان : أحدهما - أنه سألهم ليعلمهم ما لم يعلموا من كفر أممهم ونفاقهم وكذبهم عليهم من بعدهم . الثاني - أنه أراد أن يفضحهم بذلك على رؤوس الاشهاد ليكون ذلك نوعا من العقوبة لهم .

--> ( 1 ) في ك : يرهبون . ( 2 ) في ب وج وه‍ وع وى : عن . ( 3 ) أي يجتذبون ويقتطعون . ( 4 ) من ك . ( 5 ) من ك وع . والذي في السمين وروح المعاني : أبو بكر وحمزة .